سِتّي خديجة: بصمة لا تُمحى من الحكمة والنور.

مما لا يشك فيه أحد أن وجود السِّت -أم الأم-في الحياة نعمة لا تُضاهى؛ فهي التي تمنح حفيدها ما لا يستطيع أحد غيرها أن يقدمه. 

لم تكن “ستِّي” جدةً فحسب، بل كانت ديوانًا من التجارب، ومكتبةً من الأمثال، ومعهدًا للثبات في وجه صروف الأيام.

حقاً وصدقا؛ طفلٌ بلا “سِتّ” كغصنٍ نُزع من شجرته؛ أخضرُ اللون، ميتُ الجذر.

عندما بحثت في المعاجم عن معنى اسمها -خديجة-وجدت أنه يعني: “المولودة قبل أوانها”.

شعرتُ وكأنها لم تكن بحاجة لاستكمال شهور الحمل كباقي البشر، لما حباها الله به من بواعث النضج والتطور في حياتها أو كأن الزمن استعجل خروجها لتبدأ تعليم الناس دروس الصبر.

كان وجهها البشوش، مع تجاعيدها المتناثرة على بشرتها، تحكي قصة حياة مصبوغة بالكفاح. 

وحدها التي أثبتت لي أن العمر مجرد رقم؛ بشبابها المتجدد في روحها، حتى إن شعرها الأسود أخذ ينبعث من جديد قبيل وفاتها بسنوات قليلة.

لم أكن أتصور وجود الحياة بدونها؛ فمنذ أبصرت الحياة وهي نصب عيني. 

قال لي أحدهم في عزائها كلمة لا تنسى: “لقد وضعت بصمتها في كل حفيد وحفيدة”، وصدَق؛ فما من واحدٍ منا إلا وله من طيبتها نصيب، ومن صلابتها أثر.

“ستي” قصة كفاح لا تنتهني أبدا،

فقد كرست كل وقتها لأبنائها وبناتها منذ وفاة زوجها-سِيْدَنا- مبكراً؛ لقد كانت لهم أماً وأباً في آنٍ واحد.

كانت حياتها مثالاً للعطاء. 

خدمتها للحجيج لسنوات طويلة في بيتها العامر بمكة كان تجسيدًا للحب وبذل الجهد في سبيل راحة ضيوف الرحمن،

وكأنها تُطعم القلوب حبًّا، لا الأجساد طعامًا،

لقد علّمتنا أن المعروف لا يُصنع لوجه الناس بل لوجه الله، وأن الكرم لا يُقاس بالمقدار بل بالنية.

وبقدر ما كانت حازمة، إلا أن الطيبـة كانت تغلبها. 

حفظنا منها الكثير من الأهازيج القديمة التي كنا نرددها معها، وإن كنا لا نجاري حنجرتها العذبة في النشيد مع دقها للطبلة بحرفية عالية،

كانت تصنع كل ذلك  لإدخال البهجة في قلوبنا. 

كما حفظنا منها أدعية كثيرة أصبحت لا تكاد تفارق ألسنتنا، وكأنها أودعتها فينا لتستمر بعد غيابها.

لا يزال صوتها الدافئ يتردد على مسامع قلبي. 

كان صمتها وقارًا، وحديثها بهجة. 

كما أن روح الفكاهة تعلوها أحيانًا، فتطلق تلك الجملة العفوية التي تحمل بين طياتها دهشة المحبة، قائلة بابتسامة: “أصبحتم كلكم مدراء!”، 

وكأنها ترصد بعين الحكمة تسارع الأحفاد نحو الحياة والمناصب.

كانت تحب أن تستمع إليّ وأنا أتلو آيات من القرآن الكريم، فيعلوها الانصات التام. 

ومن مآثرها الحميدة أنها كانت تتعاهد أقاربها وجيرانها بالزيارة وبالاتصال دوما، ولطالما كنا كأحفاد نساعدها في هذه المهمة بحفظ الأرقام وما إلى ذلك؛ خصوصا حينما صارت تعتمد على الهاتف المتنقل،

لا أنسى ساعتها التي بجانبها الموقتة يومياً لصلاة قيام الليل.

حتى بعد موتها، لم تنقطع يدها عن العطاء؛ حيث رأت إحدى بناتها في المنام أنها توصيها بأن تهتم بإحدى جاراتها وتقدم لها الهدايا، وكأن الخير يأبى أن يُدفن معها.

لا أستطيع أن أخفي حزني الكبير على فقدها على الرغم من مضي أكثر من شهرين على فراقها، إلا أنني أحمد الله أن يسر لي معاشرتها طوال هذه السنين. 

رحلت؛ لكن ظلّها باقٍ بيننا بما غرست فينا من اللين حين نختلف، ومن الدعاء حين نضيق، ومن الكرم حين نُبتلى بالبخل.

سلامٌ عليها ما بقي فينا حنينٌ وذكرى.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أدعو لها: 

رباه نوّر قبرها بشآبيب رحمتك، وأغثها بمدد عفوك،

واجعل ما غرسته فينا صدقةً جاريةً لها إلى يوم تلقاك.

أضف تعليق