
كتاب عزف منفرد ليوسف إدريس.
يتكون الكتاب من مجموعة مقالات أدبية واجتماعية وفنية وسياسية، عزف فيها يوسف إدريس على وتر الكلمة بسحرها الأخاذ عزفا منبثقا من قلمه المتفرد.
افتتح الكتاب بحوار أجراه أحد الصحفيين معه،
أبدى فيه رؤاه الشخصية ونظرته للقصة وللشخصية العربية وفي ختام الحوار سئل مالذي ينقص أدبنا ليصبح أدبا عالميا فأجاب:
”المفروض في الأديب أن يخاطب العالم الصغير عالمه فإذا نجح فى مخاطبة عالمه فإنه يكون بمثابة من نجح في مخاطبة العالم كله.
وأقول لك شيئا، إن أهم ما فى الأمر هو الصدق. هل نحن صادقون حقا في مخاطبة عالمنا ؟. إن صدقنا سنصل إليه وإذن علينا أن نحاول الوصول إليه أولا ، ثم نفكر بعد ذلك في الوصول إلى العالم الكبير”.
يعترف الصحفي الذي أجرى الحوار معه بأن يوسف إدريس يتكلم بنفس البراعة التي يكتب بها، وهذا ما لا نجده عند غيره من الكتاب الذين عندما يتكلمون نشعر بأنه لا فرق بينهم وبين سائر الناس.
من خلال قراءتي للكتاب أستطيع أن أزعم بأن قلم يوسف إدريس في المقالة لا يقل جودة عنه في القصة والمسرح،
وقد يدفعنا ذلك إلى التساؤل مالذي دفعه إلى الكتابة في قالب المقالة؟!
يبدو بأن المرحلة التي كان فيها تقتضي ذلك،
يقول:
”عندما يكون عقل أمتى فى خطر ، فلتذهب جميع الأشكال الفنية القصصية – والروائية والمسرحية إلى الجحيم…
الجزء المقاتل في الإنسان هو إرادته ، والكلمة الصادقة هى إرادة الانسان.
عندما أقول « الكلمة » فإنما أعنيها بمعناها الواسع الشامل لكافة ما يحرك النبضة في الكائن الحي…
أما عن المؤرخين ، فإنهم أحرار إذا اعتبروا ما أفعله هو العبث بعينه لأننى – كما يقولون – أهدر موهبتي القصصية والمسرحية فيما يسمونه كتابة المقالات ومن يدرى ربما لن يبقى مني – إذا بقى شيء – إلا ما يقال أني أهدره”.

مبادئ الفلسفة تأليف: أ.س.رابوبرت.
كتاب لطيف خفيف من ترجمة الأديب والمفكر أحمد أمين،
وهو مدخل مفيد للقراء المبتدئين الذين يرغبون في الحصول على لمحة عامة عن الفلسفة.
ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين.
القسم الأول: يتناول فروع الفلسفة المختلفة وتاريخها، بينما القسم الثاني يبحث في مسائل فلسفية محددة في علم الأخلاق ونظرية المعرفة وما بعد الطبيعة.
أعتقد بأن من أبرز ما يميز الكتاب لغة أحمد أمين الرشيقة والسلسة،
أضف إلى ذلك الهوامش والشروحات التي أدلى بها في ثنايا الكتاب،
أيضا زيادته لفصل كامل عن الفلسفة عند العرب.
وفيما يلي بعض الاقتباسات البارزة من الكتاب:
(إن كل الناس فلاسفة إلى حد ما، مع تفاوت فيما بينهم، إلا من استعبدته شهواته وانغمس في اللذائذ المادية)
(إن سقراط استنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، أي إلى الإنسان، ونعني بذلك أن هذا الفيلسوف اليوناني العظيم أول من بدأ بالتفكير في الإنسان وما يتعلق به وفضل ذلك على النظر فيما يحيط به من العالم المادي)
(رأى سقراط أن أعظم سعادة هي معرفة الحق وأن المعرفة هي الفضيلة)
(إن العلم والفلسفة لا يكونان إلا حين تعظم المدنية).

تاريخ الخلفاء للإمام السيوطي.
كتاب جيد رائق، قد قلد بروائع أخبار الخلفاء ونوادرهم،
يبتدأ من عصر الخلافة الراشدة وينتهي إلى عصر مؤلفه،
قضيت مع الكتاب أياما سأبخسها حقها إن قلت أنها جميلة!
وكم من السعادة ما صورت لنا في هيئة كتاب!
قراءتك للكتاب تعلمك بأنك بإزاء إمام عظيم واسع المعرفة جمها،
ذا نقد وتمحيص واستدراك للشائب منها، وهو مع ما فيه من العلم الراسخ والعقل المتزن إلا أنك تجده رقيق الطبع ذا قلب تملؤه الشفقة،
قال عند وصوله لقصة مقتل الحسين رضي الله عنه :
”وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها”.
وله في هذا الكتاب منهج قويم،
فلم يورد إلا سير الخلفاء الذين صحت إمامتهم،
وتراه يعتمد كثيرا على الذهبي وينقل عن ابن فضل الله العمري والسلفي و الصولي والثعالبي وغيرهم.
ولم يكن للإمام السيوطي قصب السبق في الكتابة عن تاريخ الخلفاء؛ بل سبقه إلى ذلك عدد من العلماء مثل: نفطويه وابن الجوزي وغيرهم
فهو مكمل لجهود من سبقه في هذا الباب
ومستدرك بترجمة من استجد من الخلفاء بعد موت أولئك العلماء الأفذاذ.
ومن أجلّ ما في الكتاب تعليقاته الثمينة التي تضفي عليه حسنا إلى حسن،
وإليك طرفا منها:
١-نقل ما وقع بين الصحابة في موقعة الجمل وغيرها ثم قال:
”هذا كله كلام ابن سعد ، وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره ؛ لأن هذا هو اللائق بهذا المقام ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) ، وقال : ( بحسب أصحابي القتل)
٢-“قال بعضهم : وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح ، لا من الخلفاء ولا من الملوك .
قلت-أي السيوطي-: وكذا المستكفي والمستعين ، لقب بكل منهما اثنان من بني العباس فخلعا ونفيا”.
٣-“أخرج عن هشام بن عمار قال : سمعت المتوكل يقول : واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي ، كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده ، وأتعلم منه…
ثم قال : رحم الله محمد إدريس رحمة واسعة، وسهل علي حفظ مذهبه ، وانفعني بذلك.
قلت : استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهباً بمذهب الشافعي ، وهو أول من تمذهب من الخلفاء”.
٤-“حدثنا علي بن الجهم قال : كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال ، فقال : إن حسن الشعر لمن الجمال ، ثم قال : حدثني المعتصم ، حدثني المأمون ، حدثنا الرشيد ، حدثنا المهدي ، حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال : كانت الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ ، وكان من أجمل الناس ، وكان أسمر رقيق اللون ، لا بالطويل ولا بالقصير ، وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه ، وكان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه ، قال علي بن الجهم : وكان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه ، وقال لنا المتوكل : كان للمعتصم جمة، وكذلك للمأمون، والرشيد ، والمهدي ، والمنصور ، ولأبيه محمد ، والجده علي ، ولأبيه عبد الله ابن عباس .
قلت : هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه : بذكر الجمة، والآباء، وبالخلفاء، في إسناده ست خلفاء”.
ختاما أنصح بقراءة الكتاب المثقفين عامة وشداة الأدب خاصة، فلا يكتفوا بما ينقل في كتب الأدب من الروايات عن بعض الخلفاء-التي قد يكون فيها شيء من التساهل وعدم التحقق والمبالغة-
والرجوع إلى هذه المصادر الأصيلة التي تنقل لهم الصورة بشكلها الصحيح والأقرب إلى الواقع.

من الطرائف اللافتة، وأثناء تحضيري للقاء حول أدب الرسائل، وقعت عيني مصادفة على كتاب لافت بعنوان “محمد الماغوط، رسائل الجوع والخوف” من تأليف عيسى الماغوط. ورغم أنني لم أجد فيه حينها مبتغاي البحثي المباشر، إلا أن العنوان ظل راسخاً في ذهني. وفور انتهائي من تقديم اللقاء، عدت إليه ثانية لأكتشف فيه كنزاً من الحِكَم والوقفات العميقة.
إن أهم ما يرسخه هذا الكتاب هو قضية جوهرية تحتاج إلى تصحيح: ثمة أوهام من الكمال تنسج حول الكتاب الكبار.
فالشائع هو النظر إلى العبقري كمخلوق استثنائي لا يُسأل عن ماضيه، وكأن منحة الشعر تبرئه من الحساب.
لكن الكتاب يقرع جرس التنبيه: فالموهبة ليست مبرراً للنرجسية، والعبقرية لا تعني بالضرورة الإنسانية.
يسرد عيسى الماغوط سيرة شقيقه الشاعر محمد الماغوط بصدق وتجرد، بعيداً عن هالة التعظيم الزائدة.
تحدث الكتاب بأسهاب حول حياة الشاعر وملامح شخصيته؛ حيث يشير الكاتب إلى أن عزة النفس كانت خطاً أحمرا لدى الشاعر، وهي إحدى الملامح التي أسهمت في بزوغ نجمه.
ومن ملامح تمرده على اللغة التقليدية منذ وقت مبكر، فقد لفتت رسائله المكتوبة نظر أخيه بما تضمنته من جمل غريبة التماسك، تحمل بلاغة ومعاني هيابة تشي بما يعتمل في داخله من هياج.
ويكشف الكتاب عن مفارقات عجيبة في حياة الشاعر؛ فإلى جانب علاقته بأدونيس حيث كانا “عديلين”-أي:متزوجين أختين من نفس العائلة-، عاش محمد الماغوط طفولة مؤلمة في أسرة شديدة الفقر يملؤها الخوف والجوع.
لكن المفارقة الأغرب تكمن في سلوكه بعد وصوله إلى المجد والغنى وامتلاء بيته بأطايب الطعام. فقد كان يمتنع عن الأكل عمداً، ليظل متمسكاً بذلك الجوع الذي اعتبره ملهماً عند الكتابة، ورباطاً يشد وثاقه إلى طفولته وإلى أعماقه.
إنها واحدة من أغرب بواعث الإلهام التي يمكن أن تمر على القارئ.
إن الرسالة الأعمق التي يحملها هذا الكتاب هي الفصل بين المبدع وإبداعه، وحياته الشخصية. فعظمة الإنسان في إبداعه لا تعني بالضرورة عظمته في حياته الخاصة. وعلى الرغم من أنني شخصياً لا أميل إلى قصيدة النثر ولا إلى كتّابها، إلا أنني أكبرت ما في كتاب “رسائل الجوع والخوف” من إشارات ووقفات عظيمة تستحق التأمل العميق.
